المسئولية الجنائية في الشرائع الحديثة

المسئوليه الجنائيه في الشرائع الحديثة

ان أهم ما يميز فكره المسئولية الجنائية في العصر الحديث هو اكتشاف فكره “الاسناد المعنوي” واعتبارها شرطا ضروريا لقيام المسئوليه الجنائية, و معنى ذلك ان المسئولية الجنائية لا تقول الا اذا توافر الاسناد المادي imputabilite و التأثيم Culpabilite او ” الاسناد المعنوي. و اكتشاف فكرة “التأثيم” يرجع في العصر الحديث الى فكر مدرسه القانون الطبيعي الحديثه. وخصوصا بافندورف pufendorf ففي فلسفته ترتبط نظرية المسئولية بنظريته عن الاسناد و نظريه الاسناد تمثل بدورها الجزء الجوهري لفلسفته الاخلاقيه

وتفترض فكرة الاسناد وجود سلطه عليا تفرض التزام. أي لا يمكن الحديث عن المسئولية خارج نطاق الالتزامات. و في المقابل لا يمكن قبول فكره الالتزام اذا تجاهلنا حريه الفرد. ( لا التزام بدون وجود ارادة حره. ولا حرية بدون الالتزام ) ومن ناحية اخرى فإنه على الرغم من ايمان بافندروف بضروره استغلال منهج العلوم الطبيعيه في مجال العلوم الانساني هالا انه لكي يتفادى النتائج الضاره التي وقع فيها اسلامه “خصوصا توماس هوبس و اسبينوزا” فقط حاول اكتشاف منهج خاص بهذه العلوم الانسانيه وقد وجد بانفدروف هذا المنهج في نظريته حول الوقائع الاخلاقيه. هذه النظريه هي التي تقيم التفرقه بين مجال العلوم الانسانيه المرتبطه بفكره “الحرية الانسانيه” ومجال العلوم الطبيعيه الخاضع لفكره الضروره (السببيه المادية) فكما ان هناك ( اسناد مادي) يخضع لفكره السببيه الماديه. يوجد اسناد اخلاقي يتربط بفكره السب الاخلاقي “la cause morale” فالتفرقه بين مجال العلوم الانسانيه و مجال العلوم الطبيعيه ادت لاكتشاف فكره “السبب الاخلاقي نظرا لوجود اثار ماديه لا يكون سببها مادي. لذلك اعتبرت الارادى الانسانيه سببا اخلاقيا لهذه الاثار .

فالواقعه غير المشروعه يرتكبها الانسان ( خطأ او خطيئة ) لا يمكن ان يتم تفسيرها عن طريق استعمال مصطلحات “السببيه المادية” لذلك استعلمت فكره الارادة الانسانيه باعتبارها سببا حرا Cause libre او سببا اخلاقيا كمعيار للتفسير. فالمقابله بين العالم المادي و العالم الاخلاقي ادت الى اكتشاف الاسناد الاخلاقي بجانب الاسناد المادي و على الرغم من محاوله بافندورف تخفيف التفرقه بين الاسناد المادي و الاسناد الاخلاقي. على العكس من سوريز فإن الاسناد القانوني اصبح في العصر الحديث وبصوره اساسيه اسنادا اخلاقيا فالعقوبه هي في النهايه نتيجه خطأ اخلاقي

وتعتبر فلسفه بافندورف مصدرا اساسيا لفقه القانون الجنائي في العصر الحديث وقد انعكست هذه الفلسفه على فقه المدرسه التقليديه للقانون الجنائي لذلك اصبح الخطأ هو اساس فكره المسئولية. فلا يكفي حدوث الاثار المادية للفعل الانساني بل يجب ان تكون هذه الاثار المادية ناتجه من خطأ انسان حر مختار فاساس المسئولية يكمن في قيام المسئولية الاخلاقيه اذ ان اختيار الانسان لطريق الجريمه دليل على وجوده ارادة اثمة. و معنى ذلك انه يشترط لقيام المسئولية الجنائيه ضروره ان يتوافر بين الجاني و الجريمة “الانسان و الفعل المجرم” العلاقه المادية و العلاقه المعنويه. أي الاسناد و الاثم. وبدون هذين العنصرين لا تقوم المسئولية الجنائية. فالمسئولية الجنائية هي نتيجه متربته على قيام الجريمه بركنيها. و هما الاسناد و الاثم. و هي مسئولية انسانيه و شخصيه. وكل ما يخالف ذلك يمثل استثناء من هذا الاصل العام

وقد تعرض هذا الفكر التقليدي لهجوم عنيف تابع من اعتناق الفلسفات الوضعيه في النصف الثاني من القرن التاسع عشر وقد انعكس ذلك في مجال القانون الجنائي فنشأت المدرسه الوضعيه الجنائية. والتي يقوم فكرها على اساس ان الجريمه هي نتاج لازم لاجتماع عدة عوامل خلقيه و اجتماعيه وطبيعيه. ومتى توافرت هذه العوامل لدى شخص ما كان وقوع الجريمة حتميا “حسب قانون السببيه المادية” لانه متى توافرت الاسباب لزمت النتيجه حتما. وبالتالي يكون الفاعل مجبرا على ارتكابها و غير مختارا لها. اذا الجريمة ليست اثما يرتب مسئولية اخلاقيه و قيام المسئولية الجنائية لا يستلزم توافر الاسناد المعنوي. بل يكفي توافر الاسناد المادي و اسا المسئولية يكمن في الخطورة على المجتمع وهذه الخطوره واحده سواء اكان فاعلها عاقلا ام غير عاقل هذه النظرة الموضوعيه للظاهره الاجراميه لا باعتبارها ظاهر خطئية وانما باعتبارها ظاهره خطوره اجراميه ادت للقول بان المسئوليه الجنائيه لا تقوم على اسا الخطأ وانما تقوم على اساس درجه خطوره المجرم بالنسبه للمجتمع

ومن الواضح ان فكره المسئولية الجنائية في معظم الشرائع الحديثه تقوم على محاوله التوفيق بين اراء المدرسه التفليديه و المدرسه الوضعيه. ويبدو ان اراء المدرسه التقليديه تمثل الاصل الذي يتم تدعيمة عن طريق اراء المدرسه الوضعيه فالتشريعات الجنائية ترفض بصفه عامة اعتبار المسئولية المادية وحدها اساسا لقيام المسئولية الجنائية. و هذي بذلك تفترض حريه الانسان في اختياره وتصرفه أي انه يأتي ما يأتيه من الجرائم بارادته. و بالرغم من الخلاف بين التشريعات في المنهج المتبع لمعالجه المسائل الجنائية الا انها تفترض ان الانسان متى بلغ سنا معينه اصبحت لدية القدره الكافيه لـ الادراك و التمييز و توجيه ارادته الناحيه التي يختارها. و من هذا الوقت يصبح مسئولا عما يأتيه بارادته من الجرائم و هو مدرك لها. فاذا ثبت انه غير مدرك لما اتاه او انه لم يأت الفعل باختياره فلا مسئوليه و بالتالي لا عقاب عليه. اذا فالمبدأ المسلم به بصفه عامة هو انه لا يكفي لقيام المسئولية الجنائية اسناد الجريمة ماديا الى شخص ما. بل يجب ان تثبت قبله معنويا ايضا. او بعباره اخرى لا يكفي ان تكون الجريمه من فعل يديه بل يجب ايضا ان تكون صادره من ادراكه و ارادته. و حتى جرت معظم التشريعات الحاليه على ذلك ( اراده و فعل )

وعلى الرغم من وجود ازمه معاصره تحيط بمفهوم المسئولية الخطئية بصفه عامة وذلك لعدم كفايتها امام تطور البيئة و الظروف. مما ادى للانتقال من المسئولية عن الخطأ الشخصي. الى المسئولية عن المخاطر المستقبليه. اصبح الوضع كما لو كنا امام “دين بالتعويض يقع على عاتق المجتمع بدلا من الدين الشخصي بالمسئولية ومما ادى ايضا لزبول فكره الخطأ واستبداله تدريجيا بفكره المخاطر. الا ان ذلك التطور لا يصلح في مجال القانون الجنائي فقد ظلت المسئولية الجنائية مسئولية عن خطأ شخصي فمرتكب الجريمه “اسناد مادي” يكون مسئولا عن افعاله من الوقت الذي يتم فيه اعتباره اثما “اسناد معنوي”حينئذ تقوم المسئولية وفكره التأثيم ترتبط بمفهوم الحريه “فكرتي القصد و الإرادة”

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s