النظريات الاسلاميه عند المعتزله لفكره القانون الطبيعي الكوني

النظريات الاسلاميه عند المعتزله لفكره القانون الطبيعي الكوني

 

مقدمة و تمهيد : في القكر الاسلامي القانوني يوجد اتجاه يؤمن بامكانيه وجود قانون انساني بجانب القانون النابع من الارادة الالهيه وهم المعتزله ,, هذا الاتجاه يؤمن بقدره العقل الانساني على اكتشاف القواعد القانونيه أي يعطي للعقل الانساني استقلال نسبي ( بالنسبه للوحي الالهي ) في اكتشاف العدل فهو يرى ان الانسان يستطيع بعيدا عن القران والسنه اكتشاف العدل ,, أي عن طريق ملاحظه الطبيعه اكتشاف الحسن و القبح في الاشياء بدون الرجوع الى الوحي الالهي

ان فكره القانون الطبيعي الكوني نشأت عند الاغريق و طبقها الرومان .. و قد استعملها المعتزله لتحقيق هدف مختلف ,, لاثبات امكانيه وجود قانون انساني دون الرجوع الى الوحي الالهي ,, فلم تكن لاثبات امكانيه وجود قانون انساني موجود انما نقطه البدايه هي الطبيعه وذلك لاثبات امكانيه وجود قانون انساني

وفكره الطبيعه عند المعتزله ان الطبيعه تخضع لنظام يمكن للعقل الانساني فهمه فهي تفترض وجود قانون يحكم الطبيعه بصفه دائمه وهذا القانون بالتاكيد قانون الهي ولكن الله يلتزم به بمعنى ان المعتزله يفترضون ان لله عقل أي ان ارادته تخضع لعقله فالارادة الالهيه تخضع للعقل الالهي وبالتالي فالعقل الالهي يسبق ارادته الالهيه ويترتب على ذلك : الارادة الالهيه لا يمكن ان تتدخل لتغيير النظام العقلاني الذي يسير الكون وفقا له فالارادة الالهيه ليست حره حريه مطلقه بل مقيده بالعقل الالهي الذي فرض النظام الطبيعي الكوني و معنى ذلك ان السؤال المتعلق بامكانيه وجود انساني قد ادى لاثاره التسائل حول العلاقه بين العقل و الوحي الالهي وهذا كان محل نقاش بين الاشاعره و المعتزله ما يمس العلاقه بين العقل الالهي و الارادة الالهيه و ايهما له الاولويه

 

المطلب الاول : العدل الالهي وفكره الطبيعه الكونيه و الحريه الانسانيه : الاصول الفكريه للتجاه المعتزلي يمكن ارجاعها الى خمسه اصول ( التوحيد – العدل – الوعيد – الوعد – المنزله بين المنزلتين – الامر بالمعروف و النهي عن المنكر ) فإننا سنهتم باصل واحد فقط وهو الذي يمس موضوعنا بصوره مباشره و هو العدل الالهي هذا الاصل يمكن النظر اليه من خلال محاور ثلاثه الاول : يتعلق بالعقلانيه ,, الثاني : يعتلق بالحريه الانسانيه ,, الثالث : يتعلق بالنظام الطبيعي

 

اولا : العقلانيه الالهيه : بالنسبه للعقلانيه الالهيه .. يرى المعتزله انه اذا كان الله عادلا وهو كذلك العدل في ذاته فانه لا يمكن ان يعاقب شخصا غير مسئولا عن فعله ولا يمكن ان يثيب ( يعطيه ثوابا ) شخص غير مستحق لهذا الثواب وبالتالي يجب الاعتراف بان الانسان مسئول عن تصرفاته ولكي يكون الانسان مسئولا عن تصرفاته يجب ان يكون حرا أي قادر على الاختيار بين الخير و الشر ويؤكد المعتزله ان الله لا يستطيع ان يفعل الشر حيث ان أي فعل قبيح لا يمكن نسبه الى الله حيث ان الله عند المعتزله يؤمنون ان الله منزه عن كل قبيح وان ما يتم اثباته انه قبيح ليس من فعل الله و بجهه اخرى فان الله تعالى يتصرف وفقا لغايه يريد تحقيقها وهذه الغايه لا يمكن ان تكون الا احسن غايه وانفعها وهي اصلاح الانسان

ويرى المعتزله ان الله خلق الكون بحكمته ولا يريد سوى الخير لمخلوقاته فالله تعالى لا يفعل الا الاصلح و الخير صحيح ان المعتزله مختلفين على معنى الاصلح لكنهم متفقون على اخضاع ارادة الله لحكمته أي ان الارادة الالهيه تخضع للحكمه الالهيه وبمعنى اخر فأن الحكمه الالهيه مقدمه على الارادة الالهيه

وكذلك القاضي عبدالجبار ( احد كبار المعتزله ) لا يتردد في القول بان افعال الله تعالى كلها حسنه وانه لا يفعل القبيح ولا يخل بما هو واجب عليه .. بل يرى ان عدم فعل الله للقبح هو واجب عليه ففي نظره القاضي “الفعل الالزامي هو ذلك الفعل الذي ترتب على عدم اتيانه الاستنكار او التانيب باعتبار ذلك غير عادل” هو يرى ان بعض الافعال الالهيه تدخل ضمن هذه المجموعه من الافعال فواجب على الله ثواب المخلصين والمؤمنين ,, من ذلك يتضح ان الله في نظر المعتزله – يخضع للقاعدة التي وضعها .. فهو لا يكذب في خبره – ولا يجور في حكمة – ولا يعذب اطفال المشركين بذنوب اباءهم – ولا يكلف العباد ما لا يطيقون ولا يعلمون – بل يقدرهم على ما كلفهم و يعلمهم صفه ما كلفهم ويدلهم على ذلك فالمعتزله يبدءون من افتراض اساسي هو ( معقوليه ووضوح العقل الالهيه ) كذلك يبدءون من افتراض ان سعادة الانسان هي الغايه العليا للفعل الالهي ويبدو من ذلك ان المعتزله ينظرون الى الله كما ينظرون الى الانسان والعقل الالهي يشبه العقل الانساني
وهذا يشكل نقطه ضعف في اتجاههم الفكري

ثانيا : الحريه الانسانيه : من هذه المقدمات يصل المعتزله بصوره ضروريه الى تقرير الحريه الانسانيه وهي تشكل المحور الثاني فمبدأ العدل الالهي يترتب عليه ان الانسان لا يكون مسئولا اخلاقيا الا عن الافعال التي اردها وفعلها وذلك بتطبيق حريه الاختيار التي اعطاها الله له و اتفق المعتزله على ان الله لا يكلف العباد الا و الفدره على ما كلفهم به تعالى ولذلك بان القدره تكون قدره على الكفر و الايمان و الطاعه و المعصيه اذ كان الانسان قادرا على الاختيار فهو بالتالي صانع لافعاله فالانسان يخلق افعاله على سبيل الحقيقه لا على سبيل المجاز ونسبه هذه الافعال اليه هي نسبه حقيقيه وهنا يختلف المعتزله عن الاشاعره الذين يرون ان الانسان مسير لا مخير و بالتالي يؤمنون بالقدر و الجبر اما المعتزله فعلى العكس من ذلك يؤمنون بان الله لا يخلق افعال الانسان لانه اذا قلنا ان الله هو خالف افعال الانسان لا بد ان نقبل القول بان الله يفعل الشر وهذا لا يمكن قوله بالنسبه لله , فالانسان هو خالق افعاله عن طريق القدره التي وضعها الله فيه يستعملها بحريه كما يشاء

من ذلك يتضح انه من الضروري افتراض حريه الانسان اذا اردنا ان نوافق على وجود العدل الالهي فالله بوصفه العادل لا يستطيع ان يعاقب انسان غير مسئول عن فعله ولا ان يثيب انسان غير مستحق للثواب فلذلك فان خريه الانسان هي شرط ضروري للعدل الالهي

 

ثالثا : النظام الطبيعي الكوني : الاعتراف بالحريه الانسانيه على هذا النحو يؤدي الى الاعتراف بوجود طبيعه للاشياء أي الاعتراف بوجود النظام الطبيعي الكوني ,, اذا كان عقل الله يحكم اراده الله .. أي العقل الالهي له الاوليه على الارادة الالهيه يجب ان نستنتج من ذلك انه يوجد نظام كوني او نظام في الكون وكذلك يوجد نظام موضوعي وغايات تتعلق كلها بغايه عليا وهذا ما يمثل المحور الثالث للعدل

ويترتب على ذلك : وجود خير و شر موضوعيان أي موجودين في طبيعه الاشياء قبل نزول الوحي وقبل ان يكشف الله عن ارادته في الشريعه ,, أي انه يوجد قانون يحكم الكون وتوجد غايه تحرك هذا الكون ( الكون يتحرك لتحقيق غايه عليا ) يوجد عقل الهي يحكم الكون وبهذا يعترف المعتزله بوجود نظام كوني موضوعي ووجود اراده الهيه خاضه لمقتضيات العقل الالهي .. ووجود الخير و الشر في ذاتهما بصوره موضوعيه وبالتالي فالتشريع الالهي وجد فقط لتقرير ما يعتبره العقل مسبقا خيرا او شرا .. أي ليقرر ما قرره العقل من قبل

 

فالعقل في نظر المعتزله هو الذي يحدد الخير و الشر فالشيء لا يكون حسنا لان الله قر انه حسن لكن الله قرر انه حسن لانه حسن في ذاته ,, فالعقل الانساني لديه القدره على تقرير التحسين و التقبيح و اذا كان العقل الانساني يستطيع ان يكيف الشيء على انه حسن فانه يلزم نفسه بذلك ,, واذا كان يستطيع ان يكيف شيئا على انه قبيح فانه يجب ان يمنع نفسه عن القيام به

و على ذلك فان النظام الذي يحكم العالم او القانون الاخلاقي الذي يجب ان يحكم الناس يمكن اكتشافه عن طريق العقل الانساني وبصوره مستقله عن الوحي الالهي .. ومعنى ذلك ان هناك قانون طبيعي كوني يستطيع الانسان اكتشافه فكون الانسان حر امام طبيعه واضحه عقلانيه من خلق الله الحكيم يؤدي الى الاعتراف للانسان بالقدره على اكتشاف حقيقه الاشياء ( جوهر الاشياء ) وجوهر الاشياء هو الذي يحكم الطبيعه ( الكون ) وعلى هذا فان الوحي الالهي لا يكون المصدر الوحيد للحكم على الالشياء و القانون

 

 

المطلب الثاني : امكانيه الاكتشاف العقلي للقانون ,, الطبيعه و العقل و القانون عند المعتزله ..

بناء على هذا الاصل عند المعتزله اصل العدل الالهي وما يترتب عليه من حريه الانسان وقدرته على خلق افعاله وقدرته على اكتشاف الخير و الشر فان المعتزله يرون ان الانسان قادر بدون الاستعانه بالنصوص القرانيه على اكتشاف الحسن و القبيح أي على اكتشاف العدل وبالتالي اكتشاف القاعدة الاخلاقيه او القانونيه وبذلك يكون المعتزله قد رفضوا فكره الاشاعره المتعلقه باكتشاف القواعد بواسطه الوحي ,, على الرغم من ذلك فان المعتزله لم يعترفوا للانسان بالقدره على خلق القانون وانما اعترفوا له فقط بالقدره على اكتشاف القانون ففي نظرهم فان الوحي لا يفعل سوى تقديم المعلومات و العقل لا يفعل سوى اكتشاف القانون و القيمه ( القاعدة الاخلاقيه او القانونيه ) توجد في الاشياء الموجوده في الكون المنظم وفقا لنظام اعلى ففي نظر المعتزله الشرح الوحي مجرد مخبر عن هذه الامور لا مثبت لها و العقل مدرس لها لا منشي

ومن ذلك يتضح : ان المعتزله يفرضون على الانسان الالتزام بمعرفه العدل و الظلم عن طريق العقل الانساني ,, ويرون ان الاوامر الالهيه لا تخلق الالتزامات ولكن تعلنها فقط .. ويترتب على ذلك ان مصادر القانون او الادله الشرعيه يأتي في اولها العقل لان به يميز الانسان بين الحسن و القبح و به يعرف ان الكتاب حجه وكذلك السنه و الاجماع .. ربما يتعجب من هذا الترتييب فيظن بعضهم ان الدلاله هي الكتاب والسنه و الاجماع فقط او يظن ان العقل اذا كان يدل على امور فهو مؤخر وليس الامر كذلك لان الله لم يخاطب الا اهل العقل

 

ترتيب الادلة الشرعيه عند المعتزله ومن خلالها يعرف الانسان الحسن و القبح و الخير و الشر :

ترتيب الادلة الشرعيه عند اهل السنه التي من خلالها يعرف الانسان الحسن و القبح و الخير و الشر

العقل

القرأن

السنه

القران

السنه

الاجماع

العقل

 

فالمعتزله قدموا الدليل العقلي عن الدليل النقلي ( القران و السنه ) ويعتبرونه في المرتبه الاولى قبل النقل وقالو انه يستحيل ان يتعارض النقل مع العقل ,, وحجتهم في ذلك انهم قالوا ان ما يتوقف على النقل مثل وجود الله سبحانه و تعالى و نبوه محمد صلى الله عليه وسلم لا يثبت الا بالعقل

في اطار ذلك ماهي العلاقه بين العقل و الوحي ؟ كيف يمكن تنظيم العلاقه بين العدل الذي يكتشف العقل الانساني وبين العدل الذي يأتي به الوحي لتنظيم هذه العلاقه يقوم المعتزله بتقسيم الافعال الى ثلاث اقسام

  1. الافعال الحسنه في ذاتها 2- الافعال القبيحه في ذاتها 3- الافعال الغير محدده

 

بالنسبه لهذا الاخير ( الافعال غير المحدده ) فإن تكييفها متروك للحكم الالهي فهذه الافعال سوف تكون عادلة اذا سمح بها الله .. وسوف تكون قبيحه وظالمه اذا منعها الله اما بالنسبه للقسمين الاولين ( الافعال الحسنه و القبيحه بذاتها ) فهي تخلق على عاتق الانسان التزاما بالفعل او بعدم الفعل حتى لو كان يجهل النص القراني او حتى ولو لم يكن هناك نصا قرانيا وعلى هذا فاذا كان هناك نص قران و سنه ستناقض مع الحل الذي تم اكتشافه عن طريق العقل فان المعتزله لا يترددون في تفسير النص باسلوب يجعله متفقا مع الحل الذي توصل اليه العقل أي كانو يلجئون الى التأويل لتتفق مع ما يتوصل اليه العقل

 

مما سبق يتضح لنا : ان جوهر المشكله القانونيه عند المعتزله ( المشكلات المتعلقه بتأسيس القانون ) قد تم التعرض لها في علم الكلام وقد توصل المعتزله بذلك الى امكانيه وجود قانون انساني و امكانيه وجود قانون يكتشفه الانسان بعقله من خلال مراقبه الطبيعه الكونيه .. ففكره القانون عند المعتزله ترتبط بفكره القانون الطبيعي الكوني وقد لجأ المعتزله الى هذه الفكره ليس لتبرير قانون انساني وضعي موجود .. ولكن للتدليل على امكانيه وجود قانون انساني نابع من النظام الكوني بالعقل الالهي ( بالحكمه الالهيه ) ان فكره القانون الطبيعي الكوني التي نشأت عند الاغريق واستعملها الرومان ووجدت صداها عند المسلمين عادت الى الظهور مره اخرى عند المسيحيين في اوروبا في العصور الوسطى مع فكره القديس توماس الاكويني

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s