النظام الطبيعي و النظام الاجتماعي و النظام القانوني

هذا الكتاب يتكلم عن : فكره القانون او مفاهيم القانون و مراحل تطوره في المجتمعات الانسانيه .. بمعنى كيف وضعت هذه القوانين و العلاقه بين النظام الطبيعي و النظام الاجتماعي و النظام القانوني ,, وكيف تم تطويل هذه العلاقه عبر العصور المختلفه بدايه من عصور مدارس القانون الطبيعي القديمه بـشقيها القانون الطبيعي الكوني و القانون الطبيعي الالهي مرورا بمدارس القانون الطبيعي الحديثه واخيرا عصر ما بعد الحداثه القانونيه

فهل فكره القانون تحقق العدل ام لا وماهي المرجعيه العليا داخل المجتمع التي يجب على المشرع عند وضع القواعد القانونيه ان يحتذي بها للوصول الى فكره للخير العام داخل المجتمع فمثلا في مصر ينص الدستور على ان مباديء الشريعه الاسلاميه المرجعيه العليا له او على الاقل لا يخالف القانون المصدر الاعلى لمباديء الشريعه الاسلاميه

هذه المرجعيه العليا و التي تسمى بالقانون الطبيعي هي مختلفه من فيلسوف لاخر ومن رجل دين لأخر فمنهم من يقول ان القانون الطبيعي ذات طبيعه كونيه ذات بعد ميتافيزيقي او فيزيقي ( الطبيعه او ما وراء الطبيعه ) ومنهم من يقول ان القانون الطبيعي ذات طبيعه الهيه متمثله في الكتاب المقدس عند المسيحيين او القرأن الكريم عند المسلمين ومنهم من يقول ان القانون الطبيعي ذات طبيعه انسانيه

كل ذلك في مختلف العصور و الازمنه فـ عند اليونان ( سقراط – افلاطون – ارسطو ) و عند فقهاء الرومان ( جايوس – البيانوس – جستنيان ) و في الفكر الاسلامي ( الاشاعره و المعتزله ) و في الفكر المسيحي ( توماس الاكويني – اوجستين ) و عند فلاسفه العقد الاجتماعي ( توماس هوبز – سبينورزا – جون لوك – جان جاك روسو )

أولا : سوف نتحدث عن نشأة فكرة النظام القانوني و علاقته بالنظام الطبيعي و النظام الاجتماعي

ان وجود الانسان داخل أي مجتمع من المجتمعات تحكمه ثلاث انواع من القواعد : القاعدة الاولى : النظام الطبيعي لوجود الانسان فهو متعلق بالوقائع البيولوجيه التي تحكم الوجود الانساني و القاعدة الثانيه النظام الاجتماعي لوجود الانسان والقاعدة الثالثه النظام القانوني لوجود الانسان ( نظام متأخر )

كيف تحول النظام الطبيعي ( الوقائع البيولوجيه ) الى وقائع اجتماعيه : او بصيغه اخرى كيف تتحول واقعه الميلاد او الزواج او العلاقه مع الجنس الاخر الى واقعه لها مدلول اجتماعي ؟

ان الاحداث البيولوجيه ( النظام الطبيعي ) لا تتحول الى نظام اجتماعي الا اذا كان لها غايه انسانيه تسعى الى تحقيقها فاذا توافرت لها هذه الغايه الانسانيه .. فهنا ينقلب الحدث البيولوجي الى حدث اجتماعي ومعنى ذلك انه حينما يكون الغرض من العلاقات الطبيعيه او البيولوجيه احداث نوعا من الخير المشترك بين شخصين او اكثر يصبح الحدث البيولوجي حدثا اجتماعيا مثال ذلك حينما يتم النظر الى واقعه انجاب الاطفال على انها وسيله للحفاظ على الامن الجماعي في الاسره و اعلاء الشأن الاجتماعي لها حينئذ تصبح الواقعه البيولوجيه ( الولاده ) واقعه اجتماعيه

ان هذا الانتقال من النظام الطبيعي للعلاقات الانسانيه الى النظام الاجتماعي لا يمكن ان يتحقق الا ان عن طريق اتخاذ بعض الاجراءات العقلانيه التي يكون الغرض منها تحديد اهداف الحركه الانسانيه الطبيعيه ,, كذلك تحديد نطاق هذه الحركه ,, ان هذه الاجراءات التي تكون بسيطه في بدايه الامر هي التي تشكل اساسا للتنظيم القانوني للمجتمع وهذا التنظيم هو الذي يقوم على اساس العلاقات الحره للافراد لذلك فان هذه العلاقات الحره تلعب دور المصدر الطبيعي للنظام القانوني ,, ووجهه النظر هذه هي التي ترى ان النظام الاجتماعي ماهو سوى مجموعه من العلاقات الحره بين الاشخاص في مجتمع معين و حينما تتحول الواقعه البيولوجيه الى وقائع اجتماعيه تنشأ بالضروره مجموعه من الطقوس الاجتماعيه التي تحيط بالوقائع البيولوجيه إن هذه الطقوس الاجتماعيه تمثل في النهايه نظام اجتماعي اعلى من النظام الطبيعي وكل من يقبل ان يعيش داخل المجتمع لابد ان يخضع لهذا النظام الاجتماعي

وفي لحظه نشأه النظام الاجتماعي الي يحيط بالوقائع البيولوجيه ينشأ فيها مفهومين اساسيين هما اولا : النظام العقابي و ثانيا : النظام العام

اولا النظام العقابي : لقد تطور النظام العقابي مع تطور الافكار الاجتماعيه .. فالنظام الاجتماعي في البدايه كان يرتبط بفكره الحرب بمعنى اذا كان شخص من قبيله ( سين ) اعتدى على شخص من قبيله ( صاد ) كانت النتيجة الحرب ,, وعندما ابدا المجتمع يستقر بدأ ينتقل من فكره الحرب لما لها من ضحايا كثر و مجازر وتدمير ومأسي انسانيه من فكره الحرب الى فكره طرد الجاني أي عندما يقوم هذا الشخص بارتكاب جريمه فـ لكي تتوقى القبيه الحرب وتبعياتها تقوم بطرد هذا الشخص و يعتبر الطرد بمثل اهدار دمة ولكن هذا الطرد لم يحل المشكلة لان المطرود يمكن الاستيلاء عليه من أي قبيله اخرى غير قبيله المجني عليها فـ تطور فكر المجتمع من فكره طرد الجاني الى فكره تسليم الجاني لـقبيله المجني عليه ولكن هذا الامر لم يحل مشكلة ايضا لان التسليم قد يكون بسبب جريمه بسيطه مثل الضرب ونتيجه التسليم يكون عقابه القتل فهنا الحريه مطلقه للقبيله ان تفعل ما تشاء فيه وبالتالي لا يوجد تعادل بين الجريمه و العقوبه ,, ثم بدأت تظهر فكره القصاص : العين بالعين و السن بالسن وبالتالي القصاص يحقق التعادل المطلق بين الجريمة و العقوبه ,, وعندما بدأت الناس تعمل بالتجارة ابتدأت تظهر بالمقابل المقابل المالي للجريمه ( الديه ) وهي بدل الدم وفي البدايه كانت اختياريه ( اما الديه او القصاص ) وبعد ذلك اصبحت اجباريه في الجرائم الغير عمديه وهذا هو المستقر عليه في الشريعه الاسلاميه وكذلك يوجد العفو وهو يمثل التنازل عن الحق في اخذ القصاص

ثانيا النظام العام : من خلال فكره المصلحه العامة نشأت فكره النظان العام و النظام العام هو الخير المشترك لافراد المجتمع فكل المجتمعات تقول ان النظام العام هو الخير المشترك ولكن مفهوم النظام العام هو مفهوم مطلق ام نسبي وما المقصود بالخير ,, وهل الخير في مصر هو نفسه الخير الموجود في فرنسا او في امريكا .. ان فكره النظام العام على الرغم من انها تعني الخير المشترك وتتفق كل المجتمعات على ان النظام العام يحقق الخير المشترك للافراد الا ان مفهوم النظام العام هو مفهوم نسبي من حيث الزمان و المكان فهو يختلف من بلد الى بلد و يختلف من زمان الى زمان بمعنى ان الخير المشترك في مصر حاليا ليس هو نفسه الخير المشترك في مصر منذ 50 عام

و على الرغم من ذلك فقد ثبت خطأ هذه النظره ,, لانها تساعد على ظهور فكره النظام الاجتماعي فلكي يوجد المجتمع لا بد من ان تكون هذه العلاقات متجهه الى تحقيق نظام عام داخل المجتمع سواء من الناحيه النفسيه او الفنيه و فكره النظام العام تستدعي وجود غايه عليا يسعى المجتمع لتحقيقها وكذلك وجود غايات وسيطه تؤدي في بعض الاحوال الى التضحيه بالغايات الفرديه او التضحيه بالخير الفردي وذلك من اجل تحقيق الخير المشترك لسائل اعضاء الجماعه الانسانيه

لذلك فالنظام العام في ابسط معانيه هو الخلاصه التنظيميه لشكل محدد من اشكال الحياه المشتركه في مجتمع معين وحينما تظهر فكره النظام العام داخلب جماعه انسانيه معينه تظهر فكره النظام القانوني لان الحفاظ على النظام العام يستدعي وجود مجموعه من القواعد القانونيه الغرض منها هو تحقيق الغايات الاجتماعيه التي هي بذاتها تشكل محتوى فكره النظام العام ومن هذا يتضح لنا ان الوقائع الاولى للحياة البيولوجيه للانسان مثل الولاده و العلاقات الجنسيه والتعامل مع الاشياء و الموت … إلخ تشكل المصدر الاوصل للقواعد القانونيه .. بدايه منها يولد القانون ويتطور في كل المجتمعات وينظر رجال القانون الى هذه الوقائع على انها تمثل الوقائع الاوليه او المعطيات الاولى للنظام القانوني و على الرغم من ذلك فانهم يرفضون اعتبارها عاملا دائما و مؤثرا في التنظيم الاجتماعي و القانوني

وعلى اساس هذين المعطيين الاوليين .. يقوم الانسان بوضع القواعد التي تحكم نظام الاشياء داخل مجتمع معين وبمعنى اخر فإن الغايه النهائيه لوجهات النظر الانسانيه في المجتمع بالاضافه الى القواعد التي تهدف الى تحقيق هذه الغايه هي التي تشكل ما يطلع عليه اسم النظام القانوني ففي الواقع ان تطور الحياه الانسانيه يؤدي بالضروره الى تخطي النظام الطبيعي الانساني كذلك ضروره تخطي النظام الاجتماعي عن طريق توجيه الاراده الانسانيه لتحقيق الاهداف العليا ولذلك عن طريق النظام القانوني

فالنظام القانوني في حقيقته هو تخطي للانسان والمجتمع فهو تخطي للانسان من الناحية البيولوجيه .. وتخطي للانسان من الناحيه الاجتماعيه وذلك بغرض تحقيق الخير المشترك في مجتمع معين ,, واذا كان النظام القانوني يهدف في كل المجتمعات الى تحقيق الخير المشترك فان الاختلاف بين الانظمه القانونيه ينبع من اختلاف المجتمعات في تحديد ما يمثل الخير المشترك بالنسبه لها فما قد يكون خيرا مشتركا بالنسبه لاحدها قد لا يكون كذلك بالنسبه للاخرى حيث ان الخير المشترك في الكويت مختلف عن الخير المشترك في مصر و مختلف عن الخير المشترك في فرنسا مثلا


Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه:
search previous next tag category expand menu location phone mail time cart zoom edit close