الجهل بالواقع و الجهل بالقانون في ظل فقه العصر العلمي الروماني

للتفرقه بين الجهل بالواقع و الجهل بالقانون في ظل فقه العصر العلمي الروماني

نلاحظ ان فقه العصر العلمي لم يفرق بين الجهل و الغلط وانما استعمل تعبير الجهل كمرادف للغلط ,, والثابت ان القانون الروماني في العصر العلمي : اقام كقاعدة عامة تفرقه بين الجهل او الغلط في الواقع و الجهل او الغلط في القانون ,,

المطلب الاول : اقرار التفرقه بين الجهل بالقانون و الجهل بالواقع :

اعتد فقهاء العصر العلمي بالجهل او الغلط في الواقع بينما الجهل او الغلط في القانون لا يعتد به والنصوص عديده في هذا الصدد : فهناك نص الموسوعه المنسوب للفقيه “نراتيوس” يقرر صراحه انه ينبغي الا ينظر الى الجهل او الغلط في القانون كما ينظر الى الجهل او الغلط بالواقع ايضا نجد تلك التفرقه في نص الموسوعه : للفقيه بول حيث يقول ان القاعدة العامة في انه لا يجوز لاحد ان يستفيد من الجهل بالقانون اما الجهل بالواقع فلا يضر احدا

ولكن النصوص الرومانيه لم تعط معيارا للتفرقه بينهما بل اكتفت بضرب امثله لكل منها

  1. هناك نص للفقيه بول “في الميراث البريتوري” اذا كان الوارث يجهل وفاه مورثه فان هذا يعد جهلا بالواقع ,, بينما اذا كان يعلم بوفاته ولكنه يجهل ان الميراث البريتوري يؤول اليه بصفته الوارث الاقرب او اذا كان يعرف انه عين واترثا في الوصيه ولكنه يجهل ان البريتور يخول الميراث البريتوري للورثه المعنيين فإن هذا يعد جهلا في القانون

     

  2. نص الموسوعه المنسوب الى بمبنيوس يقرر اذا كان اذن الوصي للقاصر لم يصدر الا بعد البيع فان هذا يعد جهلا بالقانون الذي يستلزم ضروره صدور هذا الاذن قبل قيام القاصر بالبيع او اثناؤه .. اما اذا وضع شخص يده على شيء معتقدا انه اشترى بواسطه العبد المملوك له او بواسطه مورثه فإن هذا يعد جهلا بالواقع

     

  3. ان هذه النصوص بينت ان الجهل او الغلط يعد احيانا منصبا على الواقع و في احيان اخرة قد يكون الجهل بالقانون ,, فإذا كان الشخص يعلم انه حر و يعرف اباه و امه ولكن يجهل قرابته للمتوفي حيث ان تلك القرابه يرتبها القانون .. اما اذا كان الشخص قد هجر بلدته منذ ولادته ولا يعرف اباه ولا امه ويعتقد انه رقيق .. فإن هذا يعد جهلا بالواقع واكثر منه جهلا بالقانون

     

  4. النص المنسوب للفقيه بول : اذا كان الشخص يعلم ان هناك له حق المطالبه بالميراث البريتوري ولكنه يجهل ان الشخص ترك الاجل المحدد للمطالبه بهذا الميراث ينقضي .. فإن هذا غلط في الواقع .. بينما اذا كان يعلم بالوقائع السابقه ولكنه كان يجهل انه بمقتضى منشور البريتور الخاص بالمواريث يؤول حق المطالبه بهذا الميران البريتوري فإن هذا يعد جهلا بالقانون

     

  5. نص موسوعه يضرب مثالا اخر : لمن يجهل ان هناك وصيه لصالحه حيث اعتبر ان هذا الجهل هو جهل بالواقع بينما اذا كان يعتقد انه لا يستطيع المطالبه بالميراث البريتوري الا بعد فتح الوصيه خلافا لما يقرره القانون فإن هذا يتعلق بالقانون وليس الواقع

ويستفاد من هذه النصوص : ان الجهل بالقانون يكون عندما ينصب هذا الجهل على قاعدة قانونيه سواء من حيث وجودها او مداها او تفسيرها سواء اكان هذا الجهل كليا ام جزئيا والذي يطلع عليه البعض لفظ الغلط

اما اذا كان الجهل بــ وقائع او ماديات لازمه لتطبيق القاعدة القانونيه او لترتيب اثارها كنا امام جهل او غلط بالواقع

المطلب الثاني : اهميه التفرقه بين الجهل بالواقع والجهل بالقانون

رتب الفقهاء في العصر العلمي التفرقه المتقدمه اثرا هاما حيث قرروا “انه لا يجوز للشخص ان يتمسك بجهله بالقانون بعكس الجهل بالواقع يمكنه ان يتمسك به .. لترتيب اثر ثانوني في صالحه سواء اكان الاثر سلبيا ام ايجابيا

تطبيقات النصوص على هذه التفرقه :

  1. في مجال الميراث البريتوري : هناك نص الموسوعه بصدد الاجل الذي يجب ان يطالب فيه الوارث البريتوري بالميراث مقررا انه اذا كان الوارث يجهل وفاة المورق فان الاجل المحدد لاعلان قبول هذا الوارث للميراث ومطالبته به لا تسري في مواجهته باعتباره جهل بالواقع غير انه ان كان يعلم بوفاه المورق ولكنه كان يجهل ان الميراث البريتوري يؤول اليه بصفته الوارث الاقرب له فإن الاجل المحدد للمطالبه بهذا الميراث يسري في مواجهته برغم هذا الجهل لانه يعد جهلا بالقانون لا يعتد به

 

  1. في مجال التقادم : تقرر الموسوعه في نص منسوب للفقيه “بمبنيوس انه لا يجوز التمسك بالجهل بالقانون في مجال التقادم و على العكس يكون الجهل بالواقع مؤثرا ويمكن التمسك به

 

  1. بالنسبه لعقد القرض : تقر النصوص انه اذا اقترض شخص اخر معتقدا انه رب اسره مستقبل بحقوقه حيث انه ظهر بهذا المظهر حيث كان يبرم العقود ويرفع الدعاوي باعتباره رب الاسره فهنا لا يكون للتوصيه المقدونيه محل .. والتي تحرم ابن الاسره من عقد القرض الا بموافقه رب الاسره ثم تضيف النصوص “اذا تمسك المقرض فقط بانه يجهل القاعدة القانونيه التي تقرر هذا الحظر فلا يجوز له التمسك بهذا الجهل لانه جهل بالقانون لا يعتد به وبالتالي التمسك بهذه التوصيه في مواجهته

 

  1. في دعوى استرداد ما دفع بناء على غلط : النصوص في الموسوعه تقرر ان هذا الغلط او الجهل طالما تعلق بالقانون يمنع من امكانيه رفع هذه الدعوى باستثناء الاشخاص الذين يحق لهم التمسك بالجهل بالقانون و يختلف الحال تماما اذا تعلق الامر بالغلط في الواقع

     

  2. اما في المجال الجنائي : فإن الجهل بقاعدة جنائية كـمبدأ عام لا ينفي المسئوليه الجنائيه و بالتالي لا يصلح ان يكون عذرا بعكس الجهل او الغلط في الواقع

     

 

تطبيقا لذلك ذهب فقه العصر العلمي الى ان :

المرأه التي تعتقد موت زوجها
الغائب وتزوجت من اخر ,,
ثم يعود زوجها بعد زواجها من اخر فأن هذه المرأه لا تسأل جنائيا ,, ايضا لا يعد مرتكب لجريمه زنا المحارم من يجهل وجود صله قرابه مع من يرتكب معها الفاحشه ,, ومن يتزوج من ارمله قبل انتهاء المده المحدده قانونا لا يعد زانيا اذا كان يجهل انها في فتره العدة .. وكل ذلك اذا كان بخلاف ما اذا كان عالما بتلك الوقائع لكنه ادعى جهله بأن القانون يجرمها

 

اساس مبدأ عدم الاعتذار بالجهل بالقانون لدى فقه العصر العلمي و وسائل الحد من نطاق تطبيق هذا المبدا في هذا العصر :-

 

المطلب الاول : اسا مبدأ عدم الاعتذار بالجهل بالقانون لدى فقه العصر العلمي :

باستقراء النصوص الرومانيه لفقهاء العصر العلمي نجد ان اساس هذا المبدأ لدى فقهاء العصر العلمي يكمن في افتراق العلم بالقانون ,, هذا الافتراض الذي يقوم على اساس امكانيه كل فرد ان يعلم باحكام القانون ولذا لا يقبل من احد الادعاء بجهله بها الا ان ينفي ذلك الخطأ باثبان انه خطأ مغتفر او مبرر

 

فالفقه الروماني في اقراره لهذا المبدأ انطلق من امكانيه علم كل فرد باحكام القانون :

العوامل التي ادت الى سهوله العلم بالقانون :-

 

 

  1. اشتراك الافراد في مناقشه المشروع القانوني : الذي يعرضه عليهم الحاكم الذي اقترحه ثم موافقه المجالس الشعبيه عليه ثم نشره في الساحة العامة كل هذا يجعل من الجهل بالقانون امرا مستبعدا وبخاصه ان الامور كانت تنظم عن طريق التشريع محدوده .. وذلك بعكس الوقائع اللامتناهيه بطبيعتها التي يستحيل الالمام بها ..

 

  1. إن الجهل بالقانون يمكن ازالته مسبقا : حيث انه من المتيسر لاي شخص ان يطلب فتوى من احد الفقهاء و من المعلوم ان الافتاء كان من اهم الوظائف في في العصر العلمي و كان بدون مقابل و هذا ماعبر عنه الفقيه بول صراحة

 

  1. ان امكانيه العلم بالقانون من قبل أي شخص
    : نجد ان الفقه الروماني يلقي التزاما على عاتق الكافة بالعلم بالقانون حتى تتفق تصرفاتهم وصحيح احكامه وقدر رأي الفقه الروماني ان هذا الالتزام يستوجب بذل اكبر قدر من العنايه وفقا لمعيار رب الاسرة المعتاد .. بحيث ان جهل الشخص بحكام القانون يعد قرينه بسيطه على عدم بذل العنايه في معرفه حكم القانون مما يعد خطأ الى ان يثبت العكس أي يثبت انه خطأ مغتفر

 

وبهذا الصدد يقول الفقيه البيان “ان العلم بالقانون امرا من السهوله بمكان وليس المطلوب هنا العلم و الذي يتطلب من فقيه بل يكفي العلم الذي يمكن ان يلم به الشخص بنفسه او باستشاره اشخاص مستنيرين وهذا مسلك يجب ان يقوم به رب كل اسره يهتم بشئون اسرته ..

 

  • وقد اوضح الفقيه بول “انه ليس مطلوبا علما بالقانون متعمقا ,, و “لكن الجهل بالقانون يعني انتفاء العلم الذي يمكن ان يكتسبه الفرد بنفسه او باستشاره اشخاص مستنيرين ومعنى ذلك : لا يفترض العلم بالتفاصيل الفنيه للقانون .. والتي لا يلم بها الا من يعمل بالقانون اذ في هذه الحاله يعد الجهل مغتفرا ..

 

ونلخص من ذلك : ان مبدأ عدم جواز الاعتذار بالجهل بالقانون كما اخذ به فقه العصر العلمي يقوم على مفترض عادل هو سهوله معرفه احكام القانون و بالتالي يلتزم كل فرد بذل عنايه الشخص المعتاد للتوصل الى هذا العلم بحيث ان وقوعه في جهل بالقانون يعد بمثابه خطأ غير مغتفر الى ان يثبت من وقع فيه انه بذل عنايته في هذا الصدد

المطلب الثاني : الحد من نطاق تطبيق مبدأ عدم الاعتذار بالجهل بالقانون في العصر العلمي .. عدم اطلاق مبدأ جواز الاعتذار بالجهل بالقانون في العصر العلمي :

 

لم ينظر فقهاء العصر العلمي الى مبدأ ( عدم جواز الاعتذار بالجهل كـمبدأ مطلق ) بل نظرو الى الجهل بالقانون على انه خطأ غير مغتفر و الى ان يثبت من وقع فيه انه مبرر او مغتفر و هنا يعذر من وقع فيه

كما ان الافتراض بالجهل بالقانون هو كأصل عام خطأ غير مغتفر ( اعفى منه بعض الفئات ) مما لا تستقيم حياتهم او ظروف عملهم مع هذا الافتراض وقد عبر عن ذلك الفقيه “سافيني” بالمسأله في نطاق عبء الاثبات مقررا ان من يتمسك بالغلط او الجهل بالواقع لا يلتزم باي اثبات انه غلط مغتفر و على الخصم ان يتمسك بانه غير مغتفر وباثبات اهمال من يتمسك به ,, اما اذا تعلق الامر بالقانون فان اهمال من وقع فيه مفترض الى ان يثبت العكس

ويقر الفقيه ميلت ان هذا الجهل ( الجهل بالواقع ) يعذر من وقع فيه كقاعدة لانه لا ينطوي عامة على فكره الخطأ .. بينما الجهل بالقانون جهل غير مغتفر كقاعدة لان من يقع فيه عادة يكون قد ارتكب اهمال مفرد

 

  • بالتالي فالجهل بالواقع و الجهل بالقانون من هذه الزاويه متقاربان و الفارق بينهما نسبي لدى فقه العصر العلمي ويمكن ردهم في النهايه الى افتراض الخطأ في الجهل بالقانون دون الواقع .. وفي هذا الصدد يرى “هيفلان” ان الغلط في القانون يعد خطأ غير مغتفر كـ قاعدة

 

الاستثناءات التي ترد على ( مبدأ عدم جواز العتذار بالجهل بالقانون )

 

الفرع الاول : في حال صعوبه معرفه القاعدة القانونيه او عدم وضوحها او انها محل خلاف بين الفقهاء : أي انه في حال كان من العسير العلم بوجود القاعدة القانونيه او التثبت من حكمها فهنا يعذر من يجهلها كما لو كانت قاعدة عرفيه محليه ,, حيث تكون معرفتها خارج مجال نطاقها المحلي اكثر صعوبه من القواعد التشريعيه

كذلك اذا كان تجهيل القاعدة بسبب عدم وضوحها او انها محل خلاف فقهي حقيقي بين الفقهاء : حيث ان الفقهاء الرومان اعتبروا من يقع في غلط في فهم تلك القاعدة معذورا وفي هذا الصدد يقرر “سافيني” ان الغلط بالقانون باعتباره صوره من صور الجهل به هو خطأ غير مغتفر كـقاعدة لدى الفقه في العصر العلمي لان الاصل في القواعد ان تكون واضحة ومعلومه للكافة ,, ولكن حينما تصير القاعدة خلافا بين الفقهاء بصدد تفسيرها او نطاقها فهنا يصعب وصف من وقع في غلط في فهمها بأن ارتكب خطأ غير مغتفر .. و نفس الامر اذا كانت القاعدة تتسم بالتعقيد و الغموض بحث ان عدة افراد لهم نفس المستوى من الذكاء يفهمونها على نحو مختلف ,, بعدة اوجه

ويضرب سافيني مثلا عندما ( تكون القاعدة القانونيه محلا للخلاف بين الفقهاء بالقاعدة التي تحدد سن البلوغ ) حيث يرى السابنيون ان هذا السن يرتبط بالبلوغ الطبيعي بينما يذهب البعض البروكيليون الى ان سن البلوغ هو اربعه عشر عاما فاذا حدث و اشترى شخص شيئا من اخر يبلغ سن الرابعه عشر عاما ولكنه لم يصل لسن البلوغ الطبيعي ,, ثار نزاع حول الملكية فأن البروتور اذا كان بروكليا سيسلم الملكيه للمشتري اما اذا كان سابينيا فلن يسلم له بها ولكن يكون للمشتري في هذه الحالة ان يتمسك بالتقادم لكسب الملكية برغم وقوعه في غلط في القانون في نظر البريتور الذي يتبع المدرسه السابينيه لان هذا الغلط يعد غلطا مغتفرا لوجود اختلاف حقيقي بين الفقهاء

اما النوع الثاني حينما يتسم القانون بالتعقيد وعدم الوضوح فيضرب سافيني مثالا على ذلك بالقانون الذي ينظم العلاقه بين الاخوه و مدى امكان رفع دعوى استرداد ما دفع بدون جق بناء على غلط متعلق بهذا القانون فهو يرى انه يمكن ان يعذر من وقع في هذا الغلط لان هذا القانون يحمل قدرا كبيرا من التعقيد

الفرع الثاني : التمسك بالجهل بالقانون اذا قصد منه دفع ضرر او اذا كان الجهل بالقانون جهل مغتفر : حتى و ان كان هناك نصوص تقرر عدم جواز الاعتذار بالجهل بالقانون فإن هناك ايضا نصوص تجيز التمسك بهذا الجهل سواء في حالات معينه او بصفه عامة .. كما ان هناك بعض النصوص و ان قررت مبدأ عدم جواز الاعتذار بالجهل بالقانون او الغلط فيه الا انها ربطت هذا بان يكون هذا الجهل او الغلط معبرا عن خطأ غير مغتفر وينم عن اهمال جسيم

 

  1. فهناك نصوص تفرق بين ما اذا كان التمسك بالجهل يقصد منه تحقيق كسب او يقصد منه دفع ضرر وفي الحالة الثانيه يجوز التمسك بالجهل بالقانون بعكس الحالة الاولى

حيث يقرر “بانيان” انه لايكون الجهل بالقانون مفيدا بالنسبه لمن يتمسك به في سبيل تحقيق كسب ولكنه لا يضر من يطالب بشيء يخصه

اما النص الثاني و المنسوب لـ “بانيان” فيقرر ان الغلط في الواقع لا يضر احدا حتى بالنسبه لمن يرغب في اكتساب حق او تجنب فقده .. ولا يفيد الغلط في القانون احدا حتى بالنسبه للنساء اللاتي يرغبن في التمسك به لاكتساب حق .. ولكن الغلط او الجهل بالقانون لا يضر احد اذا تعلق الامر بتجنب فقد ما نمتلكه

ويعني هذا ان الفقيه “بانيان” يجيز التمسك بالجهل بالقانون اذا كان ذلك سيترتب عليه تجنب فقد حق نتملكه وجهلنا بالقانون ادى الى تعرضه للضياع .. أي يجيز التمسك بالجهل بالقانون طالما ان الامر لا يتعلق باكتساب حق ولكن لتجنب فقد حق او ضياعه

قد ذهب الفقه تطبيقا لذلك الى ان “بانيان” اجاز التمسك بالجهل بالقانون و الغلط فيه بالنسبه لحالات طلب رد غير المستحق وكذلك التنازل عن حق من الحقوق نتيجه جهل او غلط بالقانون فلو ان امرأه كلفت عن طريق الاستئمان1
بان تعطي عند وفاتها بعض الاراضي لعتقاء زوجها وقد تركت تلك الاراضي ذاتها الى هؤلاء العتقاء ولكن بالاشتراك مع عتقائها خلافا للقانون .. وظل الامر هكذا مدة طويله نتيجه لجهل عتقاء زوجها انهم يمكنهم وحدهم المطالبه بتلك الاراضي فيقرر “بانيان” هنا ان عتقاء الزوج لم يفقدوا نتيجه هذا الجهل بالقانون دعواهم الناشئه عن الوصيه الاولى

 

  1. اذا كانت العديد من النصوص تقرر مبدأ عدم جواز الاعتذار بالجهل بالقانون فذلك لانه يفترض انه جهل غير مغتفر .. ولكن اذا ثبت انه جهل مغتفر فهنا نجد نصوصا تسلم بامكان التمسك به

والجهل المغتفر هو : الجهل المبرر او الذي يصعب تجنبه والذي يمكن ان يقع فيه رب الاسره المهتم بشئون اسرته ونجد العديد من النصوص التي تقر بامكان التمسك بالغلط طالما كان مبررا بدون ان تفرق بين ما اذا انصب على الواقع او على القانون ومن امثله ذلك

  • نص الفقيه “مارسيان” يجيز المطالبه بالمبلغ الذي دفع زائدا بناء على غلط او جهل بصفه عامة كذلك النص المنسوب لـ “البيان” البريتور يساعد بطرق عديده الاشخاص الذين وقعوا في غلط مغتفر ايضا نص منسوب لـ”البيان” اذا سلم وكيلي او الوصي على القاصر شيئا يخصه الى اخر بطريق الغلط فان الملكيه تبقى له و التصرف يكون باطلا لان الفرد لا يفقد شيئا مملوكا له بسبب الغلط و نص الفقيه “تراتيوس” يقرر للفرد ان يكتسب عن طريق التقادم ما يضع يده عليه معتقدا انه مملوك له حتى ولو كان هذا الاعتقاد خاطئا ويمكن القول ان فقهاء العصر العلمي منذ عصر الامبراطور اغسطس حتى عهد الامبراطور سيفير اعتبروا الغلط المغتفر سواء كان في القانون او الواقع يحول دون انقضاء اجل المطالبه بالميراث البريتوري او الاجل الذي ينبغي اعلان قبول التركه خلاله

 

___________________________________________________________________

1 الاستئمان هو : شخص لديه مال وهو في حاله صحيه سيئه ولو مات سينتقل هذا المال لابن صغير اما انه طائش ام انه في سن خطر .. فهنا يلزم وصيه استئمانيه لاحد الاشخاص وعلى المستأمن تنفيذ الوصيه كما هي

كذلك في دعوى الاسترداد مادفع بدون وجه حق نجد ان الباب السادس من الكتاب رقم 12 من موسوعه جوستنيان و الذي عنوانه استرداد ما دفع بدون وجه حق يتضمن عددا كبيرا من النصوص تقدم الغلط بصفه عامة كشرط لهذه الدعوى دون استبعاد الغلط في القانون

 

  1. اخيرا هناك نصوص تقرر عدم الاعتداد بالجهل بالقانون ليس لمجرد انه متعلق بالقانون ولكن لانه يعد بمثابه خطأ لا يغتفر : من ذلك نص الفقيه “بول” في الموسوعه والذي يقرر “ان الوارث الذي دفع بمقتضى وصيه استئمانيه اكثر مما قرره “قانون فالسيديا” لا يجوز له طلب استرداد ما دفع زائدا عما هو مقرر لان ما دفعه كان بناء على جهل بالقانون

فهنا الوارث لا يستطيع الرجوع للمطالبه بما دفعه غير مستحق ليس على اساس انه وقع في غلط او جهل بالقانون ولكن لان جهله بحسب الواقعه التي يقررها النص يعد خطأ غير مغتفر ,, ويعزز هذا التفسير ان الفقيه بول يقرر صراحه في نهايه النص (
القانون لا يساعد الحمقى )

 

وما يمكن ان نستنتجه من هذه النصوص : ان التفرقه بين الجهل بالواقع و الجهل بالقانون في ظل فقه العصر العلمي لم تعرض بصوره حاده و جامده ومرتبه نتائج تلقائيه بل اختلف الحل بحسب ظروف الواقعه المعروضه على الفقيه وبحسب ما اذا كان الجهل بالقانون مبررا ام لأ ,, أي البحث من سلوك من يدعي وقوعه في غلط او جهل بالقانون .. و هل يتسق مع الافتراض الذي قرره القانون و هو ان الجهل بالقانون يعد خطأ غير مغتفر ام ان سلوكه ينفي هذا الافتراض ,, و بالتالي يعذر لـجهله بالقانون طالما لم يكن ذلك نتيجه خطأ لا يغتفر

 

الفرع الثالث : التمسك بالجهل في القانون في مجال التجريم والعقاب

في مجال التجريم و العقاب لا نجد ايضا لدى الرومان هذا الاطلاق لمبدأ عدم جواز الاعتذار بالجهل بالقانون وتفصيل ذلك ( ان الرومان فرقوا بين نوعين من الجرائم ) الجرائم التي تستمد تجريمها من القانون الطبيعي و الجرائم التي يخلقها القانون الوضعي .. وفي داخل نطاق هذه الاخيره يجب التفرقه بين ما اذا كان الفعل مجرد بصفه مطلقه أي بمجرد ارتكاب ماديات هذا الفعل وبين ما اذا كان القانون يعاقب على الفعل في حالة ثبوت سوء نيه الفاعل فقط

  1. اما بالنسبه للافعال التي يجرمها القانون الطبيعي : فهي الافعال التي تجرمها كافه القوانين باعتبارها افعالا غير مشروعه يحظرها القانون الاخلاقي و العالمي والذي يتسم بفطريه قواعدة وبالتالي فالمعرفه امر بديهي لكل الافراد .. و الافعال التي يجرمها هذا القانون لا يخلقها القانون الوضعي حتى ولو نص على تجريمها فكل ما يفعله ان يقرر له عقابا ومثالها السرقه و القتل

وهذه الافعال تخالف القانون الطبيعي تفترض بالضروره نيه اجراميه مصاحبه لارتكابها ,, وبالتالي فارتكابها يعني مساءله الفاعل بغض النظر عن علمه بتجريمها ام لا

مثال ذلك اذا ارتكب شخص سرقه باختلاس مال مملوك للغير بنيه تملكه ثم تمسك بانه كان يجهل بان القانون يعاقب على هذا الفعل .. فهنا لا يمكن تصور ان يقبل منه هذا الدفع لان تجريم هذا الفعل مصدره القانون الطبيعي و الذي يعلمه بالضروره كل انسان وينطبق هذا على كثير من الجرائم التي يأباها العقل البشري في كل زمان ومكان كالسلب والتزوير وزواج المحارم ولذا لم يتردد فقهاء الرومان في القول بانه لا يجوز باي حال من الاحوال الاعتذار بجهل قواعد القانون الطبيعي ,, لان هذه القواعد هي مجموعه مباديء مطابقه للعقل و ليس ثمه حاجه الى تدوينها ونشرها حتى يعلم بها الكافة

  1. هناك العديد كم القوانين الجنائية التي يجرمها القانون الوضعي : تخلق نوعا من الجرائم املتها ضرورات الحياة الاجتماعيه ولا تعد تعبيرا عن القانون الطبيعي وبصدد هذه الجرائم يجب معرفه الافراد بها وهنا يثور تسائل حول الجهل بهذه القوانين الوضعيه وهل يعد عذرا ام لأ ,, يقرر الفقه الروماني انه في هذا الصدد يجب الرجوع لتلك القوانين
  • فاذا قررت بصفه عامه العقاب على مجرد وقوع الفعل المادي : أي بدون تفرقه بين ما اذا كان العقاب يستلزم النيه الاجراميه ام لا .. وفي هذه الحالة لا مجال للتمسك بالجهل بالقانون طالما ان العقاب واجب بمجرد وقوع الافعال
  • اما اذا كان القانون لا يعاقب على مجرد ارتكاب الفعل المادي في ذاته بل يستلزم ان يكون هذا الفعل قد ارتكب عندا وبسوء نيه فهنا يعد الجهل بالقانون الذي يجرم هذا الفعل عذرا بشرط ان يكون جهلا مبررا ,, بشرط ان يثبت من يتمسك بذلك جهله بهذا التجريم وان وقوعه في هذا الجهل لم يكن ناتجا عن اهمال او تقصير منه بل كان جهلا حتميا لا يمكن تفادي الوقوع فيه

 

  • ايضا الرومان قرروا قبول الاعتذار بالجهل بالقانون او الغلط فيه اذا انصب على قاعدة غير جنائية متعلقه بالتجريم ومن تطبيق ذلك

من ياخذ شيء معتقدا انه مملوك له .. جاهلا القاعدة القائله بانه لا يجوز للشخص ان يحصل على حقه بيده .. لا يجوز ان توجه اليه دعوى الاموال المنتزعه بالقوه كذلك في حال ما اذا كان المالك جاهلا ان قواعد القانوني المدني تخوله حق ملكيه الشيء وقام بسلبه من حائزه حتى ولو توافرت لديه نيه التملك فهنا بالرغم من جهله او غلطة بالقانون لا يعد سارقا

 

الفرع الرابع : التمسك بالجهل بالقانون بالنسبه لبعض الفئات نظرا لظروف خاصه بهم

 

استثنى القانون الروماني بعض الافراد مفترضا ان جهله بالقانون يعتبر مغتفرا او مبرا نظرا لظروف خاصه بهم تجعل من العلم بالقانون امر غير ميسور وبالتالي يكون افتراض الغلم به غير مبرر ولذا اتيح لهم التمسك بالجهل بالقانون او الغلط فيه حتى اذا لم يكن جهلا مغتفرا

وهذه الفئات المستثناه هي :

 

القاصر عن 25 عاما

الجنود

النساء

الاميون و الفلاحون

 

 

اولا : القاصر عن 25 عاما : اوردت موسوعه جوستنيان في هذا الصدد العديد من النصوص فهناك نص منسوب للفقيه بانيان يقرر بصفه عامة “ان القاصر يعتبر في حالة جهل تام عندما لا يحصل مطلقا على اذن وصيه” ويعني هذا ان الفقيه افترض ان القاصر الذي ابرم تصرفا يستلزم اذن الوصي يعد في حالة جهل ولذا فأن امكان بطلان التصرف المبرم منه يكون منطقيا مع افتراض هذا الجهل

و اوردت الموسوعه كذلك : العديد من التطبيقات لهذه القاعدة فاباحت النصوص للقاصر عن 25 عاما “طلب اعتبار التصرف كأن لم يكن” اذا ابرمه تحت تأثير الجهل او غلط بالقانون فــ الفقيه بول بعدما اورد القاعدة العامة التي تقضي بعدم جواز الاعتذار بالجهل بالقانون باعتبار ان هذا الجهل يفترض انه خطأ غير مغتفر ذكر ان هناك عدة استثناءات على تلك القاعدة منها ان الجهل بالقانون مسموح لمن لم يبلغ الــ 25 و تطبيقا لذلك ..

 

  1. اذا كان مادون الخامسه و العشرين قد اقرض ابن الاسرة : فإنه ينبغي حمايته بافتراض لم يبرم مع ابن الاسرة فهنا برغم ان التوصيه المقدونيه تحرم القرض لابن الاسر هالا ان هذا القرض يعد صحيحا ويمكن المطالبه به لان المقرض لم يبلغ الخامسه و العشرين وهذا يعني ان الفقه الروماني نظر الى القصٌر على انهم افراد يعد جهلهم بالقانون مغتفرا
  2. القاصر الذي له الحق في الميراث : لكنه ترك اجل المطالبه به ينقضي بسبب جهله بالقانون حيث تقرر النصوص انه يتمسك بهذا الجهل للاستفادة من الميراث
  3. في المجال الجنائي : يرى الفقه انه اذا تعلق الامر بجريمه من جرائم القانون الوضعي فان القاصر يتمسك بجهله بالقانون الذي يجرم تلك الواقعه ويمكن التمسك بهذا الجهل او الغلط حتى في حالة ما اذا كان القانون يعاقب على مجرد ارتكاب الواقعه ماديا بدون استلزام نيه اجراميه ,, خلافا لما هو مقرر للبالغين

غير انه في مجال القانون الطبيعي ليس للقاصر ان يتمسك باعفاؤه من العقاب لوقوعه في جهل او غلط بصددها وان امكن اعتبار هذا الجهل او الغلط ظرفا مخففا

 

ثانيا : الجنود : ابيح للجنود التمسك بالجهل بالقانون او الغلط فيه في عدة حالات وقد بني هذا الامتياز على طبيعه المهام المعهوده للجنود و التي تمنعهم من امكانيه العلم بالقانون وتعوقهم عن اتباع الاجراءات التي يطلبها القانون لصحه بعض التصرفات

 

وتطبيقا لذلك

  1. لهم التمسك بطلب اعادة الحال الى ماكانت عليه بصوره اكثر سهوله من الافراد غير العسكريين
  2. لهم حق طلب الرد في حاله قبول ميراث مثقل بالديون اذا تم هذا عن غلط او جهل
  3. اجيز للجنود التمسك باسترداد ما دفع بدون وجه حق بناء على وقوعهم في غلط او جهل
  4. من مظاهر محاباه الجنود اعفاءهم من ضروره مراعاة القواعد القانونيه الخاصه بعمل الوصيات واعتبار تلك الوصايا صحيحه وان لم يحضرها عدد الشهود القانوني او لم تستوف الامور الشكليه الاخرى ويعني هذا ان جهلهم بما يتطلبه القانون في هذا الصدد لا يبطل تلك الوصايا

 

ثالثا : النساء : خول للنساء التمسك بالجهل بالقانون او الغلط فيه لابطال تصرفاتهن كقاعدة عامة وقد برر ذلك بسبب ضعف جنسهم وخضوعهن للقوامه بصوره دائمه

 

  1. فيمكن لهن طلب التمسك بعادة الحال الى ما كانت عليه في عدة احوال اذا ثبت ان التصرف كان نتيجه غلط او جهل سواء في الواقع او في القانون
  2. ايضا اجيز لهن التمسك بالجهل بالقانون لدفع مسئوليتهن عن الجرائم التي يجرمها القانون الوضعي دون القانون الطبيعي ,, غير ان حق المرأه في التمسك بالغلط في القانون لابطال تصرفاته تم الحد منه بناء على دستور صدر من الامبراطورين “ليون” و “انتيموس” حوالي عام 496 ميلاديه حيث نص الدستور على تخويلها حق التمسك بذلك في حالات معينه نص عليها في قوانين سابقه وهذه الحالات هي
    1. اذا قبلت المرأه عن طريق الغلط في القانون كفاله قضائية
    2. اذا اغفلت عن جهل بالقانون تقديم مستندات قضائية يجب تقديمها بدايه الدعوى
    3. الارمله التي لم تتخذ عن جهل بالقانون الاجراءات التي يلزم عليها اتخاذها في حالة ما اذا توفى زوجها و هي حامل
    4. التي دفعت عن طريق الغلط دينا خلافا لما يقرره مجلس الشيوخ الفليني
    5. حق المرأه بالتمسك بالجهل بالقانون في حالة انتهاك القانون الجنائي الوضعي

 

رابعا : الاميون و الفلاحون

 

إن هؤلاء الاميون و الفلاحون ابيح لهم التمسك بالجهل بالقانون او الغلط فيه في حالات محددة ارتأى فيها الرومان انها تستلزم قدرا من الوعي و علما خاصا بالقانون قد يصعب على هؤلاء معرفته

 

مثال ذلك : اعطى لهم الحق في التمسك بالجهل بالقانون فيما يتعلق بالاجراءات القضائيه التي يجب عليهم اتباعها او عدم تقديم المستندات المؤيده لدعواهم في المدة المحدده

 

وكذلك عدم اتباع المواعيد التي تنص عليها القوانين لاتخاذ اجراء ما او لترتيب اثر قانوني معين ومثال ذلك تفويت الاجل المقرر لقبول الميراث البريتوري

 

وكذلك ابيح لهم اثبات وقوعهم في جهل بالقانون الجنائي الوضعي للتخلص من المسئوليه الجنائية

 

 


 

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s